soukhnah.com

إلى جميع الأعضاء رابط منتديات السخنة : www.al-sukhnah.net
منتديات السخنة أبداع متميز بلا حدود
أهلا وسهلا بك في شبكة منتديات السخنة الأستراتيجية

    أسماء مُمَلكةً.........على غير مواضعها

    شاطر
    avatar
    ثائر الخطيب.
    القلم المميز
    القلم المميز

    عدد المساهمات : 240
    تاريخ التسجيل : 22/03/2010
    العمر : 34

    أسماء مُمَلكةً.........على غير مواضعها

    مُساهمة من طرف ثائر الخطيب. في الجمعة أبريل 23, 2010 3:27 am

    قال الشاعر الأندلسي ابن أبي شرف متحسرًا على حال بلاده في عهد ملوك الطوائف:
    وممـا يزهدني فـي ارض أندلـس ....أسمـاء معتمـد فيهـا و معتـضد
    أسمـاء مملكـة فـي غير موضعـها....كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

    قام ملوك الطوائف في الأندلس بتلقيب أنفسهم بشتى الألقاب ذات الصبغتين الدينية والملكية،وذلك ليحيطوا أنفسهم بأسمى درجات الفخر والعظمة والأبهة وجلال القدر والمكانة،ولكي يرسخوا في نفوس العامة مشاعر الهيبة والوجل عند سماع أسماء ملوكهم،ورغم أن بعض من هؤلاء الملوك لم يكونوا يملكون سوى عدد قليل من الحصون والقلاع،إلا أنها من الواضح كانت كافية ليسبغوا على أنفسهم ألقابًا عظيمة مثل المعتضد بالله،والمعتمد على الله،والمستعين ،والمقتدر ،والمتوكل وغيرها من الأسماء والألقاب التي لم تكن في الحقيقة سوى"اسمًا على غير مسمى".

    ولم تكن الألقاب ذات الطابع الملكي موجودة في العهد النبوي الشريف، إذ كان المسلمون يخاطبون الرسول بـ"رسول الله"، ولم تكن للرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- ألقاب كألقاب ملوك الفرس والروم،وإن كان ابن خلدون يذكر في مقدمته أن العرب كان يلقبون الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- بـ"أمير مكة" أو"أمير الحجاز"، وعلى كل فهذا ليس بلقب تشريفي للرسول-فرسول الله في غنى عن هذه الألقاب-ولكنها في حقيقة الأمر "وصفًا لواقع الأمر بعد فتح مكة".
    ولما توفي الرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- تولى أمرَ المسلمين أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- ولُقِبَ بـ"خليفة رسول الله"، ولكن الأمر احتاج إلى تغيير عندما تولى عمرُ بن الخطاب-رضي الله عنه- أمرَ المسلمين في العام 13 من الهجرة، لذا لُقب بـ"أمير المؤمنين" وذلك لرفع الحرج عن من يتحدث إليه،إذ أنهم استثقلوا هذا اللقب بكثرته وطول إضافته ، وتخيل لو أن رجلاً ما يُريد أن يُخاطب -على سبيل المثال- الإمام علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه- حينما تولى الخلافة فهل من اليسر أن يُنادى بـ"خليفة خليفة خليفة خليفة رسول الله"، لذا كان اتخاذ لقب"أمير المؤمنين" وسيلة للتيسير لا للتشريف، أضف إلى ذلك إلى أنه ضرورة سياسية، إذ لا بد أن يكون للحاكم لقب خاص به لا يشاركه أحد فيه من الرعية.
    ومع نشأة الدولة العباسية في العام 132هـ ،ظهرت موجة جديدة من الألقاب، فلم يكتفِ الخلفاء بلقب "أمير المؤمنين"، بل اتخذوا لأنفسهم ألقاب أخرى تشريفية ، وكان البادئ في هذا الأمر هو الخليفة العباسي الأول أبو العباس الذي لقب نفسه بـ"السفاح" ،ثم تبعه بقية الخلفاء فظهرت لدينا ألقاب كـ"المنصور"، "الرشيد"، "المهدي" ،المعتصم بالله"، "المتوكل على الله"،"الأمين"....وغيرها الكثير.
    أما في بلاد الأندلس فلم تكن هذه العادة معروفة في عصر الولاة، ومع قيام الإمارة الأموية على يد عبدالرحمن بن معاوية في العام 138هـ،وجدَت هناك بعض الألقاب التي أطلِقَت على أمراء بني أمية، وذلك لارتباطهم بها، فعلى سبيل المثال لُقب عبدالرحمن بن معاوية بـ"الداخل" وذلك لأنه أول من دخل الأندلس من أمراء بني أمية، ولُقِب خليفته هشام بـ"الرضا" وذلك لورعه وتقواه، وحُسن طباعه وشمائله، ولُقب الأمير الحكم بن هشام بـ"الربضي" وذلك لأنه قمع ثورة الأرباض-الأرباض هي الأحياء السكنية في قرطبة-، وعلى ذلك نلاحظ أن الألقاب التي مُنحت لهؤلاء الأمراء لم تكن من أجل التشريف ورفع المكانة والقدر، وإنما للربط بين هؤلاء الأمراء وأحداث أو وقائع وقعت وحدثت في عهدهم.
    وعندما تولى عبدالرحمن الثالث مقاليد الإمارة،اتخذ لنفسه لقب الخلافة وذلك في العام 316هـ،مُضاهيًا في ذلك الخلفاء العباسيين،ولم يكن أحد من أسلافه قد قام بهذا الأمر،كما لقب نفسه بـ"الناصر" وهو بلا شك أهلٌ لذلك، إذ كان حازمًا في ملكه،انصاع لأمره القاصي والداني،كما أنه يُعتبر من أفضل أمراء بني أمية الذين تولوا أمر الأندلس بعد جده عبدالرحمن الداخل،ومن بعده أتى ابنه الحكم الثاني الذي تلقب بـ"المستنصر بالله"، وقد كان على نهج أبيه من حيث قوة وصلابة الحكم، والقرب من العلماء ، ولقد عُرف بشخصيته العلمية وحبه الشديد للقراءة واقتناء الكتب والمراجع النادرة، والبحث عنها في كل مكان.
    أتى بعد ذلك خلفاء ضعفاء لا يستحقون حتى مجرد تبؤ منصب الإمارة فضلاً عن اتخاذ جملة من الألقاب التي لم تناسب شخوصهم، إذ لم يكونوا سوى ألعوبة بيد نساء القصر أو الحجّاب أو الوزراء،ناهيك عن انهماكهم في الملذات والشهوات ،وابتعادهم عن شؤون الحكم، وتسيير أمور الرعية،ومن هؤلاء الخلفاء محمد بن هشام لقبه "المهدي"،ثم سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبدالرحمن الناصر ولقبه"المستعين بالله"،وسار بنو أمية على هذا المنوال إلى أن سقطت إمارتهم في عام 422هـ،الموافق1031م، في عهد الخليفة هشام الثالث الذي لقب بـ"المعتد بالله".
    ومع ظهور عهد ملوك الطوائف، سار هؤلاء الملوك على نهج أمرائهم وملوكهم الأمويين من حيث اتخاذ الألقاب والأسماء التشريفية، ولعل ابرز ما يدل على هوس هؤلاء الملوك باتخاذ الألقاب ما قاله الملك الإسباني ألفونسو السادس متحدثًا إلى سفير....المعتمد بن عبّاد ملك اشبيليا ،قال ألفونسو السادس"كيف اترك قومًا مجانين، تَسمَّى كل واحدٍ منهم بأسماء خلفائهم وملوكهم وأمرائهم،المعتضد والمعتمد ، والمعتصم والمتوكل، والمستعين والمقتدر، والأمين والمأمون، وكل واحد منهم لا يسل في الذب عن نفسه سيفًا ولا يرفع عن رعيته ضيمًا ولا حيفًا،وقد أظهروا الفسوق والعصيان ،واعتكفوا على المغاني والعيدان،وكيف يُحِل البشر أن يُقروا منهم على رعيته أحدًا وأن يدعها بين أيديهم سُدًا".
    لم يتورع هؤلاء الملوك عن مقاتلة بعضهم بعض، بل إنهم لم يجدوا حرج في أن يعقدوا صفقات واتفاقيات مذلة مع العدو الصليبي الإسباني في سبيل القضاء على ممالك أخوانهم المسلمين وذلك طمعًا في الحصول على أكبر قدر ممكن من المدن والقلاع والحصون كي تنضوي تحت راياتهم،وتناسوا وهم في غمرة صراعاتهم أنه يوجد عدو يتربص بهم، ويسعى للنيل منهم وتدميرهم، لقد فعل هؤلاء الملوك الكثير من الجرائم التي لم تستطع ألقابهم -التي لقبوا بها أنفسهم- أن تزيلها أو على الأقل تزينها في نظر العامة والخاصة من المسلمين.

    في النهاية أريد أن أقول..... أن الألقاب هذه لم تكن لتزيد في شرف أحد من الخلفاء أو الأمراء،أو ترفع من شأنهم،أو تُعزز مكانتهم بين الناس، فالتاريخ يشهد على كثير من الأمراء والخلفاء الذين لم يُلقبوا في حياتهم بكثير من الألقاب،ورغم ذلك فإن لهم من الإنجازات ما لا سبيل إلى مقارنته بأفعال هؤلاء الملوك.

    المراجع:
    مقدمة ابن خلدون
    مشكورين
    كل الشكر
    ثائر الخطيب

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 19, 2018 11:11 pm